محمود علي قراعة
123
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا
ونعيمها إلى زوال ، وضراءها وبؤسها إلى نفاد ، وكل مدة فيها إلى انتهاء وكل حي فيها إلى فناء ، أوليس لكم في آثار الأولين مزدجر ؟ وفي آبائكم الأولين تبصرة ومعتبر ؟ إن كنتم تعقلون ! أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ، وإلى الخلف الباقين لا يبقون ، أو لستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى ، فميت يبكى وآخر يعزى ، وصريع مبتلى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي ! ألا فاذكروا هادم اللذات ومنغص الشهوات وقاطع الأمنيات ، عند المساورة للأعمال القبيحة ، واستعينوا الله على أداء واجب حقه ، وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه ( 1 ) " . ولقد جاء في الفصل الحادي والأربعين بعد المائة من إنجيل برنابا عن الموت : " قولوا لي ! كيف يولد الإنسان متى ولد ؟ حقا إنه يولد عريانا ، وأي جدوى له متى وسد ميتا تحت الثرى ؟ ليس سوى خرقة يلف بها ، وهذا هو الجزاء الذي يعطيه إياه العالم ! فإذا كان يجب في كل عمل أن تكون الوسيلة على نسبة إلى البداية والنهاية ، ليمكن إيصال العمل إلى نهاية حسنة ، فما عسى أن تكون نهاية الإنسان الذي يشتهي الثروة العالمية ؟ إنه للموت كما يقول داود نبي الله " إن الخاطئ ليموت شر ميتة " ! إذا حاول خياط أن يدخل جذوعا في سم إبرة بدلا من خيط ، فما يكون مصير عمله ، إنه ليحاول عبثا ، وجيرانه يزدرون به ، فالانسان لا يرى أنه فاعل هذا على الدوام ، وهو يجمع الخيرات الأرضية ، لأن الموت هو الإبرة التي لا يمكن إدخال جذوع الخيرات الأرضية في سمها ، ومع ذلك فهو بجنونه يحاول على الدوام أن يفلح في عمله ، ولكن عبثا ، ومن لا يصدق هذا في كلامي ، فليتفرس في القبور ، لأنه هناك يجد الحق ، فمتى أراد أن يتبرز في الحكمة على من سواه في خوف الله ، فليطالع كتاب القبر ، لأنه هناك يجد التعليم الحقيقي لخلاصه ، فإنه متى رأى أن جسد الإنسان يحفظ ليكون طعاما للديدان ، تعلم أن يحذر العالم والجسد والحس ! قولوا لي !
--> ( 1 ) راجع ص 207 - 209 من نهج البلاغة ج 1 .